محمد حسين علي الصغير
207
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
هو توكيد العناية بالمعاني ، وأعني بها معاني النحو التي استقلت عند علماء العربية بعلم من علوم البلاغة ، حتى جعلت من النحو ما يصح بأن يوصف بأنه هياكل لا تنصرف العناية بدراسة ما تشتمل عليه من حياة وحركة ، وحتى صار الإعراب هو دليل المعاني ، يدرس بمعزل من تلك المعاني ، فلا يوصل بها ولا يستعان به على إدراكها ، أو يستعان بها على فهمه واستيعاب مسائله وقضاياه » « 1 » . وهو ينحو باللائمة على علماء النحو إذ قصروا في بيان العمق الدلالي لمباحث المعاني ، حتى جعلوها تتحول بطبيعة البحث التفصيلي إلى علماء البلاغة ، وهو حينما يبحث قضايا الإسناد في الجملة يعقب على ظاهرتي الخبر والإنشاء فيها ، وهما من صلب النحو - يعني عدم تحرير هذه المسائل من ربقة الجمود اللفظي إلى رحاب التعبير الدلالي من وجوهه كافة فيقول : « ثم يأتي من بعد ذلك تقسيم آخر يتناول الجملة من حيث وجود مدلولها في الخارج أو عدم وجوده ، وهذا هو الذي اصطلح علماء البلاغة على تسميته بالخبر والإنشاء ، فجملة الأمر ، والنهي ، والدعاء ، والتمني ، والترجي والاستفهام ، ونحو ذلك من أساليب الإنشاء تتوزعها أبواب النحو تبعا للأعراب وحركة آخر الكلمة . وقلما يخوض النحاة في التفريق بين هذه الأساليب وأساليب الخبر ، وفي ذلك ما فيه من تحيف للمعاني ، وخلط بين التراكيب دون الاعتبار بما تؤديه من المعاني ، وهذا هو العلم الذي يسلم النحو إلى حال بعيدة عن وظيفته من دراسة التراكيب وفهم طبيعتها ، بحيث تثمر تلك الدراسة التراكيب وفهم طبيعتها ، بحيث تثمر تلك الدراسة قدرة على الفهم الدقيق والذوق السليم لأساليب العربية من جهة ، وقدرة على التعبير الصحيح المصيب عن الأفكار والمشاعر على النحو الذي نحاه العرب ، القصد الذي قصدوا إليه » « 2 » . قدم البلاغيون - فيما يبدو - على مادة ضخمة ولكنها أولية في التصنيف ، فنقحوها وألحقوها بالمباحث البلاغية دون الجنوح إلى القول
--> ( 1 ) أحمد عبد الستار الجواري ، نحو الفعل : 7 - 8 . ( 2 ) نفس المصدر : 12 - 13 .